محمد جواد مغنية
503
في ظلال نهج البلاغة
( ولا تقل ما لا تعلم ) تقدم مثله مع الشرح في الفقرة 3 من هذه الوصية بالذات ( وان قل ما تعلم ) أي حتى ولو قيل عنك : لا علم له ، أو هو قليل الحظ من العلم ( واعلم أن الإعجاب ضد الصواب إلخ ) . . أبدا لا فرق بين السكران والمعجب بنفسه ، فالخمر يذهب بالعقول والألباب ، وكذلك الإعجاب والعاقل يفر منهما كما يفر من المجنون ( فاسع في كدحك ) اعمل وناضل ، ولا تعش كلا على غيرك فالبطالة آفة الحياة ، ولا قيمة للإنسان إلا بعمله ، وخير الناس من عاش حاملا لا محمولا ، ولولا السير المتواصل في مراحل العمل لبقي الإنسان إلى يومه الأخير كوحش الغاب . ( ولا تكن خازنا لغيرك ) إذا زاد ما تنتج عما تستهلك فأغث به ملهوفا ، وسد به حاجة محتاج ( وإذا أنت هديت لقصدك إلخ ) . . إذا أتيحت لك الفرصة للكدح والسعي فاشكر اللَّه على ذلك ، واستقم في أقوالك وأفعالك ، لأن التحرر من البطالة نعمة كبرى يجب أن تقابلها بالشكر والإخلاص ( ان أمامك طريقا ذا مسافة إلخ ) . . المراد بالطريق هنا الدنيا لأنها دار ممر ، أما بعد الطريق ومشقتها فكناية عن صعوبة الوقاية من أوباء الدنيا وأوزارها ، والمعنى لا غنى لمن يعيش في الحياة الدنيا عن الصبر على البلوى ، والتزود بالتقوى ( مع خفة الظهر ) من الذنوب ( فلا تحملن على ظهرك ) أثقالا ترديك وتخزيك . ( وإذا وجدت من أهل الفاقة من يحمل لك زادك إلخ ) . . ان الزاد الذي يقيك عذاب الحريق يوم القيامة - ليس من نوع العلم والبلاغة ، ولا من التسبيح والتهليل ، أو من نوع المال والجمال ، والجاه والأنساب . . كلا ، انه شيء آخر لا يحمله المسافر إلى اللَّه بنفسه ، بل يحمّله لغيره ، فيتمتع به حامله في الحياة الدنيا ، ويفتدي به صاحبه غدا من غضب اللَّه وعقابه . قال الإمام : بئس الزاد إلى المعاد العدوان على العباد . ولك أن تعطف عليه : نعم الزاد إلى المعاد الإحسان إلى العباد . ( واغتنم من استقرضك إلخ ) . . يأخذ منك الفقير في الدنيا ما أنت في غنى عنه ، ويرده اللَّه إليك أضعافا يوم القيامة ، وأنت في أشد الحاجة إلى بعضه . وروى ابن أبي الحديد هنا أن قوما قالوا لحاتم الأصم : اقرأ لنا شيئا من القرآن . فقرأ : ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون